تعثر محدود وتشديد رقابي.. كيف تضبط مصر نمو التمويل غير المصرفي؟

القاهرة – مباشر: كشفت مصادر في سوق المال المصري، أن هناك تعليمات شبه رسمية صادرة عن الهيئة العامة للرقابة المالية، تطالب الشركات والجهات العاملة بمختلف الأنشطة المالية غير المصرفية بمزيد من التدقيق عند تنفيذ إجراءات التحقق من الجدارة الائتمانية للعملاء قبل منح التمويل.

وأضافت المصادر ذات الصلة بالملف، أن قرار الهيئة رقم 137 لسنة 2025، الخاص بتطبيق معايير "بازل 3" (Basel III) بشأن حساب معيار كفاية رأس المال، والرافعة المالية، ومعايير السيولة، ونسب التركز الفردي والقطاعي، شدد على ضرورة التحقق الدقيق من الجدارة الائتمانية للعملاء.

وتهدف قواعد "الجدارة الائتمانية" قبل منح التمويل، وفقًا للقرار، إلى التأكد من التزام الشركات بالمعايير الفنية التي تضمن جودة المحافظ الائتمانية، والتحقق من الملاءة المالية للعملاء وقدرتهم على السداد، بحسب القرار الصادر عن الهيئة العامة للرقابة المالية نهاية الأسبوع الماضي.

كما يستهدف القرار مراجعة سياسات المنح والاستعلام الائتماني للعملاء، وفحص الجدارة الائتمانية، وتحليل المخاطر، ومراجعة حدود ونسب التركز.

مخاوف من آليات عمل شركات التمويل غير المصرفي

وكان الرئيس التنفيذي لـ "البنك التجاري الدولي"، هشام عز العرب، قد حذر من التوسع السريع في نشاط شركات التمويل غير المصرفي، متسائلًا عن قدرة السوق على استيعاب المخاطر في ظل وجود آلاف الشركات العاملة خارج الإطار المصرفي التقليدي.

وقال عز العرب، خلال مداخلة هاتفية ببرنامج "الحكاية" المذاع على قناة "MBC مصر"، إن السوق المصرية تضم 36 بنكًا تخضع لرقابة صارمة، ورغم ذلك قد تظهر بعض المخالفات، مضيفًا أنه من غير المنطقي افتراض خلو سوق تضم نحو 2500 شركة تمويل من أي مخالفات.

وأبدى عز العرب تخوفه من آليات عمل بعض هذه الشركات ومدى التزامها بقواعد الاستعلام الائتماني وتقييم العملاء قبل منح التمويل، قائلًا: "بعض الشركات لا تجري الاستعلام الكافي عن العملاء عبر (آي سكور)، ما قد يؤدي إلى منح تمويلات دون التأكد من قدرة العميل على السداد أو تقييم حجم التزاماته الائتمانية القائمة، وهو ما يرفع احتمالات التعثر مستقبلًا".

وأضاف الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تكوين فقاعة تمويلية داخل السوق، خاصة مع التوسع الكبير في التمويل الاستهلاكي وسرعة نمو القطاع خلال السنوات الأخيرة.

وأشار إلى أن البنك المركزي المصري وجّه البنوك بعدم تمويل محافظ شركات التمويل الاستهلاكي إلا بعد التأكد من إجراء استعلام ائتماني للعملاء، في إطار الحد من التوسع غير المنضبط في منح القروض.

نسب التعثر أقل من 3%

في المقابل، كشف تقرير إحصائي صادر عن الهيئة العامة للرقابة المالية أن التمويلات الممنوحة من الجهات المالية غير المصرفية بنهاية عام 2025 سجلت نحو 1.4 تريليون جنيه، بما يعادل 54% من إجمالي التمويلات المقدمة من القطاع المالي المصري للقطاع الخاص والعائلي والأفراد الطبيعيين.

وبحسب التقرير، بلغ إجمالي محافظ أنشطة التمويل غير المصرفي نحو 417 مليار جنيه بنهاية عام 2025، فيما تجاوز عدد العقود التمويلية 9.8 مليون عقد، بينما سجلت نسب التعثر أقل من 3%.

وقالت المصادر إن تأكيدات الهيئة بأن نسب التعثر لا تزال دون 3% تعكس قدرة القطاع على الانطلاق إلى مستويات جديدة من النمو واستهداف شرائح جديدة، خاصة في المناطق التي تواجه فيها البنوك بعض التحديات، مؤكدة أن ذلك لا يعني وجود تعارض بين القطاعين المصرفي وغير المصرفي، إذ إن المنظومة المالية تعمل بشكل تكاملي لدعم نمو الاقتصاد المصري عبر أدوات متنوعة.

رقابة صارمة على التمويلات

ويضم القطاع المالي غير المصرفي حاليًا نحو 2532 شركة وجهة خاضعة للرقابة، تخدم أكثر من 64 مليون عميل، مع انتشار واسع للشركات وفروعها بمختلف أنحاء الجمهورية، بما في ذلك المناطق الأكثر احتياجًا.

ويرى إسلام عزام، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، أن هذه التطورات الإيجابية جاءت نتيجة ممارسة الهيئة لدورها الرقابي بصورة صارمة، بما يضمن سلامة واستقرار القطاع، ويحقق التوازن بين حقوق المواطنين والمستثمرين، وهو ما عزز ثقة المتعاملين واستقرار السوق.

وأكد عزام التزام جميع الشركات والجهات العاملة بالأنشطة المالية غير المصرفية بتطبيق معايير "بازل 3" (Basel III) في حساب معيار كفاية رأس المال، والرافعة المالية، ومعايير السيولة، ونسب التركز الفردي والقطاعي، وذلك بموجب قرار مجلس إدارة الهيئة رقم 137 لسنة 2025.

وأوضح أن مرحلة ما قبل منح التمويل تمثل خط الدفاع الأول لمنع تكوّن الديون المتعثرة، بما يضمن اتخاذ قرارات التمويل على أسس فنية سليمة، وليس بهدف التوسع الكمي فقط، الأمر الذي يعزز ثقة المستثمرين في القطاع المالي غير المصرفي.

وتخضع شركات التمويل لفحص فني ورقابي دقيق لمحافظ التوريق من جانب الهيئة، لضمان جودة الأصول وحماية حقوق حاملي السندات، حيث يتولى قطاعا التفتيش والرقابة وتمويل الشركات مراجعة دقيقة لمحافظ الحقوق المالية الآجلة، مثل أقساط السيارات والتمويل العقاري والقروض الاستهلاكية، قبل إصدار الموافقات النهائية على سندات التوريق.

كما تباشر الهيئة سلطتها الرقابية على الشركات المرخص لها بمزاولة نشاط أمناء الحفظ، لمتابعة إصدارات محافظ التوريق السابقة، والتأكد من الالتزام بسداد الحقوق المالية التي تمت إحالتها مقابل إصدار سندات التوريق.

تكامل وليس تعارضًا بين القطاعين

من جانبه، قال شريف سامي، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية الأسبق، إن الخدمات المالية في مصر تنقسم بشكل رئيسي إلى قطاعين: القطاع المصرفي، والقطاع المالي غير المصرفي.

وأوضح سامي، خلال مداخلة هاتفية على قناة "إكسترا نيوز"، أن القطاع المصرفي يضم البنوك وشركات الصرافة ويخضع لإشراف البنك المركزي المصري، بينما يشمل القطاع غير المصرفي مجموعة واسعة من الأنشطة والخدمات المالية المتخصصة الخاضعة لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية.

وأشار إلى أن القطاع المصرفي يُعد الأقدم بين القطاعات المالية، ويضم البنوك الحكومية والخاصة والأجنبية والمشتركة، ويبلغ عدد البنوك العاملة في مصر نحو 35 أو 36 بنكًا، تقدم خدمات الإيداع والإقراض والتحويلات المالية.

وأضاف أن القطاع المالي غير المصرفي يضم أنشطة متعددة، من بينها التأجير التمويلي، والتخصيم، والتمويل العقاري، والتمويل الاستهلاكي، فضلًا عن البورصة المصرية وقطاع التأمين.

وأكد سامي أن القطاعين المصرفي وغير المصرفي يعملان بصورة تكاملية، حيث تعتمد العديد من شركات التمويل غير المصرفي على القروض البنكية لتمويل أنشطتها، كما تقوم بعض البنوك بتأسيس شركات متخصصة في التمويل العقاري أو الاستهلاكي أو التأجير التمويلي لتقديم خدمات أكثر تخصصًا ومرونة للعملاء.

ولفت إلى أن شركات التأمين تُعد من أكبر ملاك الأصول العقارية في مناطق مثل وسط القاهرة، نظرًا لاعتمادها على استثمارات طويلة الأجل تتناسب مع طبيعة وثائق التأمين الممتدة لسنوات، مؤكدًا أن الدولة وضعت إطارًا رقابيًا متكاملًا لتنظيم الأنشطة المالية المختلفة وضمان حماية حقوق المتعاملين فيها.

مباشر وقت الإدخال: 17-May-2026 11:39 (GMT)
مباشر تاريخ أخر تحديث: 17-May-2026 11:58 (GMT)