صندوق الاستثمارات العامة ورؤية 2030.. عقد من بناء الاقتصاد الجديد

مباشر- عبده أحمد: بعد مرور ما يقارب عقداً من إطلاق "رؤية السعودية 2030"؛ لم يعد تقييم التجربة مقتصراً على قياس ما تحقق من أهداف معلنة، بل بات يتجاوز ذلك إلى تحليل الأدوات التي صنعت هذا التحول وقادت مساره.

وفي صدارة هذه الأدوات، يبرز صندوق الاستثمارات العامة بوصفه المحرك الأكثر تأثيراً في إعادة تشكيل الاقتصاد السعودي خلال العقد الأخير، والداعم الرئيسي لمسار التنويع الاقتصادي.

فمع انطلاق الرؤية في 25 أبريل 2016، كان الصندوق يعمل ككيان استثماري تقليدي، بأصول ليست كبيرة، ودور يتركز في إدارة الاستثمارات المحلية. أما اليوم، فقد تحوّل إلى أحد أكبر صناديق الثروة السيادية عالمياً، بأصول تتجاوز 3.4 تريليون ريال بنهاية عام 2025، في انعكاس واضح لحجم التحول الذي شهدته المملكة.

من إدارة الأصول إلى صناعة الاقتصاد

منذ 2015، أُعيد ربط الصندوق بمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية؛ ليصبح أداة تنفيذ رئيسية لتحقيق مستهدفات الرؤية، خاصة في ما يتعلق بتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط بشكل تدريجي.

ووفقاً أحدث بيانات الصندوق، بلغ إجمالي الاستثمارات التي ضخها داخل المملكة، خلال الفترة بين 2021 و2025 نحو 750 مليار ريال وأغلبها وجهت إلى القطاعات ذات الأولوية.

وذكر الصندوق أن تلك التدفقات أسهمت في خلق قطاعات جديدة بالكامل، من السياحة والترفيه إلى الطاقة المتجددة والتقنيات المتقدمة.

ونتيجة لذلك، ارتفعت مساهمة الصندوق في الناتج المحلي غير النفطي بشكل ملحوظ؛ لتصل إلى 910 مليارات ريال بشكل تراكمي بين 2021 و2024؛ أي ما يقارب 10% من الناتج في عام 2024.

بناء قطاعات وشركات

ومن أبرز سمات تجربة الصندوق خلال العقد الماضي تأسيس أكثر من 100 شركة، ضمن محفظة تضم اليوم 220 شركة تعمل في 13 قطاعاً استراتيجياً.

هذا التوسع لم يقتصر على الاستثمار، بل شمل تطوير منظومات اقتصادية متكاملة، خاصة في قطاعات أبرزها السياحة، والخدمات اللوجستية، والصناعة، والتقنيات الرقمية.

 كما ارتبط ذلك بخلق فرص عمل واسعة، حيث أسهم الصندوق في توفير أكثر من 1.1 مليون وظيفة مباشرة وغير مباشرة داخل المملكة وخارجها.

وفي موازاة ذلك، ركّز الصندوق على تعزيز المحتوى المحلي، عبر إنفاق تجاوز 590 مليار ريال بين 2021 و2024، في محاولة لبناء سلاسل إمداد محلية وتقليل الاعتماد على الواردات.

الانفتاح على العالم

كما ركز الصندوق مع إطلاق رؤية 2030 عام 2015 على التحول إلى مستثمر عالمي نشط، خاصة في الولايات المتحدة التي تستحوذ على أكثر من 40% من استثماراته الخارجية.

ومنذ 2017، ضخ الصندوق قرابة 170 مليار دولار في الاقتصاد الأمريكي، عبر استثمارات مباشرة وشراكات مع كبرى المؤسسات المالية.

كما وسّع الصندوق حضوره في قطاعات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، من خلال استثمارات في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والألعاب الإلكترونية، إلى جانب شراكات مع شركات عالمية كبرى، في إطار استراتيجية تستهدف نقل المعرفة وبناء قدرات محلية.

كما امتد هذا الحضور العالمي في دول آسيا والمملكة المتحدة بقطاعات مثل النقل المستدام والطيران؛ ما يعكس توجهاً للاستثمار في الصناعات المستقبلية ذات العوائد طويلة الأجل.

أداء مالي وتحسن في الحوكمة

على مستوى الأداء، حافظ الصندوق على وتيرة نمو قوية، حيث ارتفعت أصوله بنسبة 19% خلال 2024، مع تحقيق عائد سنوي يبلغ 7.2% منذ 2017، إلى جانب نمو الإيرادات بنسبة 25%.؛ وفقاً لتقرير أداء الصندوق الصادر في 2024.

كما عزز الصندوق من متانة مركزه المالي عبر تنويع مصادر التمويل؛ بما في ذلك اللجوء إلى أسواق الدين؛ وهو ما انعكس في تحسن تصنيفاته الائتمانية، مع رفع تصنيفه من قبل وكالة موديز وتأكيد تصنيف فيتش.

وعلى صعيد الحوكمة، حقق الصندوق تقدماً ملحوظاً، حيث سجل نسبة 96% في مؤشر الحوكمة والاستدامة والمرونة، مقارنةً بـ 40% قبل سنوات.

استراتيجية جديدة

الأسبوع الماضي، أقر مجلس إدارة الصندوق، برئاسة الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، استراتيجية الصندوق 2026 – 2030، في خطوة تعكس استمرار دوره في دعم التحول الاقتصادي وفقاً لرؤية المملكة 2030.

الاستراتيجية ركزت على بناء منظومات اقتصادية محلية ذات قدرة تنافسية عالية، مع تعظيم قيمة الأصول الاستراتيجية، واستدامة العوائد، وتعزيز التكامل بين القطاعات المختلفة.

كما أوضح الصندوق، أن الاستثمارات ستوزع ضمن ثلاث محافظ رئيسية، الأولى هي "محفظة الرؤية" التي تهدف إلى تعزيز التكامل بين القطاعات الاستراتيجية، وتطوير منظومات اقتصادية مثل السياحة، التطوير العمراني، الصناعات المتقدمة، الطاقة النظيفة، والخدمات اللوجستية، إضافة إلى مشاريع كبرى مثل نيوم.

أما الثانية فتشمل "محفظة الاستثمارات الاستراتيجية" التي تركز على تعظيم العوائد من الأصول الاستراتيجية، ودعم تحول الشركات التابعة إلى كيانات عالمية، وجذب الاستثمارات المحلية والدولية.

بينما الثالثة فهي "محفظة الاستثمارات المالية"، والتي تهدف إلى تحقيق عوائد مستدامة وتنويع الاستثمارات في الأسواق العالمية.

 

مباشر وقت الإدخال: 19-Apr-2026 10:26 (GMT)
مباشر تاريخ أخر تحديث: 19-Apr-2026 11:24 (GMT)